أثناء محاولتي البحث عن دراسات ميدانية حول ظاهرة الانتحار في الوطن العربي، وجدت العديد من الدراسات التي تناولت الإحصائيات، وكانت هذه الدراسات صادرة عن جهات حكومية، أممية، أو أكاديمية
كذلك، اطلعت على دراسات تناولت بعض الأسباب المرتبطة بالظاهرة، إلى جانب ترجمات لكتب كتبها فلاسفة وعلماء اجتماع غربيون تناولوا موضوع الانتحار
ومع ذلك، لم أجد دراسة شاملة تركز على الأسباب الموضوعية المرتبطة بالوضع العربي تحديداً
هذا ما دفعني لتوسيع نطاق بحثي ليشمل جوانب لم يتطرق إليها زملائي الذين سبقوني، رغم ما يتطلبه ذلك من جهد ووقت كبيرين
وقد استفدت أيضاً من دراستين حصلت عليهما من قيادة شرطة حلب. الأولى كانت قصيرة نسبياً (خمسة أشهر فقط في عام 1998م)، بينما كانت الثانية أشمل واستمرت لمدة سنتين (1999-2000م)، حيث لم تكن هناك أتمتة للمعلومات بعد، وكانت الإحصائيات المتاحة شهرية وسنوية عن المشاجرات وجرائم القتل والانتحار
لرغبتي في الحصول على إحصائيات يومية لهذه الحوادث، واجهت تحديات في عدم توفر هذه المعلومات بشكل يومي في ديوان قلم شرطة محافظة حلب، كما لم يكن بالإمكان تخصيص معاون ضابط لتزويدي بما أحتاجه
لذا، بذلت جهداً كبيراً حتى حصلت على موافقة لاستخراج المعلومات من البرقيات اليومية الواردة من جميع الأقسام المنتشرة في مدينة حلب والمناطق التابعة لها، التي كانت تضم آنذاك حوالي خمسة ملايين نسمة، فقمت بنقل هذه البرقيات يدوياً
وأود أن أشكر قائد قسم التدريب والإحصاء الذي منحني الإذن بالبحث يدوياً في هذه البرقيات واختيار ما يهمني منها، مع مراعاة عدم الاطلاع أو نشر أي معلومات حساسة
وقد التزمت بوعدي، حيث لم أنسخ أي شيء لا يتعلق بالأعمال العدوانية التي كنت أبحث عنها (المشاجرات، القتل، الانتحار)
قرأت مئات البرقيات الواردة من أقسام شرطة محافظة حلب، مدناً وأريافاً، مع الأخذ في الاعتبار أن التقاليد قد تؤثر في تغيير الإفادات والوقائع، فكم من حالات انتحار تم تسجيلها كجرائم قتل، أو العكس، خاصة إذا كان الشخص المتوفى فقيراً وليس له من يدعمه، بينما القاتل يتمتع بنفوذ أو ثراء، ويستطيع التأثير على التحقيقات
إلى جانب هذه الحالات، كنت أجري بحوثاً وحوارات طويلة مع ضباط الشرطة ذوي الخبرة الطويلة في هذا المجال، حيث قدموا لي خلاصة تجاربهم الأمنية
كما أنني، منذ عدة أشهر، بدأت كتابة ونشر تدوينات مرتين أسبوعياً، حيث تفاعلت مع آراء الأصدقاء والمتابعين على فيسبوك، وبعضهم ممن مروا بتجارب مشابهة أو كانت لديهم محاولات انتحار
كذلك، كنت أقدم نصائحي اليومية لبعض الأشخاص الذين كانت لديهم أفكار انتحارية أو محاولات فاشلة. وبما أنني الآن في الثمانين من عمري وليس لدي أي ارتباطات أو عمل، فقد تمكنت من التفرغ الكامل لهذه الحوارات والنصائح
كل هذه العوامل دفعتني للبحث بعمق في هذا الموضوع الحساس والمهم، آملاً أن أتمكن من الإحاطة بجميع جذوره وأسبابه. وأتمنى، أخي القارئ، أن تجد في هذه الدراسة ما يفيدك ويساعدك
مع تحيات الباحث فريد حسن