لم نعد نشبه أحلامنا
تكشف فاطمة الناهض في نصوص كتابها "لم نعد نشبه أحلامنا" عن الجذر الذي تستمد منه لغتها الروائية. انه جذر شعر بالدرجة الأولى. وهو جذر فيه من الشعر ما يفيض عن حاجة النص لكي يقدم نفسه كأغنية عذبة، سلسة وغير متكلفة.
ولن يصعب على قارئ فاطمة الناهض أن يلاحظ أن مشاغلها الشعرية لا تذهب في أي اتجاه لمحاكاة أي تجربة أخرى. انها نصوصها الخاصة، وتجربتها الخاصة، وملامحها الخاصة.
ويكاد من الصعب أن يتم إدراج هذه النصوص ضمن ذلك الحقل الذي يسمى بـ"قصيدة النثر"، ولعلها لا ترغب بالانتماء اليه. من ناحية، لأن الصورية اللفظية التي تطغى على الكثير من أوجه تلك "القصيدة" لم تجد لها مكانا في نصوص الناهض. ومن ناحية أخرى، فان مجرى النصوص ظل مشرعا على كل الاحتمالات، وبعيدا عن الانشغال بالقوالب المألوفة. فالنص يظل مفتوحا على طاقته الخاصة. والجمل تتسع أو تضيق فقط لتؤدي غايتها، بصرف النظر عما إذا كان "السطر" يبدو "بيتا". انه جملة بالأحرى توصل رسالة، أو تحمل أخرى، من دون ان تتكلف بأي معنى من المعاني الشكلية لـ"قصيدة النثر".
ولم يحدث، ولا لمرة واحدة، أن سقطت تلك النصوص في فخ القافية او الوزن. وهذا شأن يقدم دلالة بعيدة المدى على ان نصوص هذا الكتاب لا تحفل بأي قالب أو سياق مسبق. وزنها الوحيد هو ان تزن المعاني والصور نفسها كما يحلو لها أن تكون؛ بل كما تأتي.
وكان من الطبيعي ان تتفاوت النصوص لتبلغ حدود السرد القصصي، في جانب من الكتاب، من دون أن يبدو أي شيء في هذه المجموعة غريبا عن بعضه. فالتناسق اللغوي، متاح هنا وهناك وهناك. وثمة من جذر ما قد يُنبت شكلا هنا، وآخر هناك، إلا أنه يحمل لجميع نهاياته نسغا واحدا.
لقد كشفت الناهض ليس عن موهبة خلاقة في عمليها السابقين (كل مائة عام أو أقل قليلا) و(خط الاستواء)، فحسب، ولكنها قدمت لأدبها ما يستحق أن يحتل مكانته الخاصة أيضا. وقد تمثل هذه النصوص امتدادا لطاقة ابداعية ناضجة، مستقرة، وثرية، ولكنها تقدم الكاتبة من منظار الجذر هذه المرة.
لغة الشعر، ربما، من دون قوالب الشعر ومن دون شكلياته. من هنا تبدأ هذه النصوص، وهذا هو نسغها.