عربدة أثناء قيلولة الرب - ج4 - جمران
لم تكن سمية في حاجة إلى أكثر من نصف دقيقة حتى تعرف أن عاصي رحل عن هذه الدنيا تاركا وراءه نصا أسطوريا كتبه على مدى عشرين يوما قضاها وهو ينفِّذ أقسى عملية انتحار، ووضع له عنوانا سيبقى خالدا في ضمائر البشر: "عشرون يوما في حياة نبي لم يبعثه الله". قرأ الناس في "عشرون يوما من حياة نبي لم يبعثه الله" وصيةً وجد فيها كلُّ قارئٍ رسالةً موجَّهة إليه دون غيره. اشتَمُّوا في كلمات عاصي ما لم يشتَمُّوه في كلماتٍ قبلها. وتنفَّسوها هواء نقيا لم يتنفسوا مثله في كوم الصرار من قبل. واسْتَشْفَوا بنزيف آلامه التي كُتِبَت بها الوصيَّة من نزيف ذلِّهم وجهلهم وخنوعهم. أصبح "عشرون يوما من حياة نبي لم يبعثه الله" صعقة تيار بثَّه في الأرواح رجلٌ ما عرفه الناس إلا ملحدا لم يتوقَّف يوما عن العربدة على امتداد غفوة الرب وقيلولته، ومرجعا من مراجعهم المقدَّسة. وغدا عاصي منذ أن رحل تاركا وراءه بصمةَ مؤمن أيقظ الرَّبَّ من غقوته الطويلة في خلاياه ثم صادَقَه، أيقونة توَّج بها الصغير قبل الكبير لحظةَ صحوةٍ أَبَقَت فيها كل العظام الرَميم عن سباتها في برازخها.