دنيا
نسجت فاطمة الناهض في "دنيا" شبكة قهر وأقدار ونهايات غامضة، في عمل ذي طبيعة كلاسيكية، يعيد تأكيد متانة الأداء، وعمق المعاني، وشاعرية اللغة، الأمر الذي اتسمت به كل أعمال هذه الأديبة.
وهي كما عرفها القارئ في "خط الإستواء" و"القفلة" و"قرب الحياة بخطوتين"، و"ن.ك"، و"لم نعد نشبه أحلامنا"، و"كل مائة عام أو أقل قليلا"، ذات تناول رشيق، ومؤثر.
تكتب الناهض، إنما لترسم لوحات متباينة من الواقع والخيال، بلغة تقف على ضفاف الشعر، أو تخوض في غماره، لتبني عالما قريبا-بعيدا عن كل ما نعيش فيه.
وفي هذا العمل، عادت الناهض لتنهل من مخزونها الشعري، ذلك الذي تعمدت أن لا يطاله التكلف، وأن يبقى قريبا من تقديم "الحكاية" لا تقديم براعة التعبير عنها.
إنها رواية ممتلئة، بكل معاني الكفاية، سواء من حيث البناء الدرامي، أو من حيث التشابك المتواصل لشبكة الأقدار والمصائر، كما لشبكة الصلة بين الماضي والحاضر.
لقد بدأ هذا العمل من مأساة، وبقيت تظلل حياة جيل آخر، بل وتحكم عليه، وتقيده بالمخاوف!
ولم تكف الرواية عن الإدهاش، حتى وهي تمتلئ بالأسى. وبرغم كل وجوه القسوة إلا أن فسحات من الفرح ظلت أمرا ممكنا على امتداد المسافة بين الآباء والأحفاد.
هكذا تختلط المشاعر، من دون أن تبرأ من جرح، ولا أن تتعافى من مرارة.
بعضنا قال إنه: "عمل رائع، وغني، و... مربك للمشاعر أيضا".
وقال آخر إنه: "واحد من أرفع حكايات الأدب، بجاذبيته، وقسوته، وحيرة أبطاله".
لا يكفي القول أن أديبة من الطراز الأول، هي وحدها القادرة على صنع مصائر من طبيعة جاذبة لتقلبات المشاعر والتوقعات.
الشيء الذي ربما كان الأهم، هو أن مأساوية الحدث، في لوحات الناهض، ليست من دون شفق، أو فسحة ضوء بحيث يمكن للمرء أن يطل من خلالها على يقين أو أمل.
تكتب الناهض من عالم خير يوشك على الضياع أيضا. وقد تهددنا بغيابه، إنما لتحافظ عليه، أو لتعلن انتسابا آخر لبيئة إنسانية ممكنة؛ بيئة يشكل النبل الإنساني محورها الجمالي الأهم، ومصدر ضوئها الأول.
فوق كل ذلك، فان الناهض تكتب حكاية. تحوك خيوطها بصبر وأناة. ويكاد المتأمل في أعمالها المختلفة، أن يعرف أنها لا تكتب من دون تخطيط مسبق، لتجعل من تداعي الحدث "مؤامرة" أعدت بإتقان. ولن تلفت من "حبائلها" قبل أن تبلغ بك مشارف النهاية، لترتقي نوعا من صعداء خيال أكثر واقعية من الواقع، أو واقعا أشد غرابة من خيال.
أما في هذا العمل، فان النهاية ما تزال مفتوحة، لنهاية أخرى، قد تختارها أنت!