ميثاق التعرف في كشف التطرف
ظاهرة التطرف، على اختلاف صورها وتجلياتها، لم تعد قابلة للفهم أو المعالجة ضمن ثنائيةٍ تبسيطيةٍ تحصرها في الغلوّ أو الانحراف العقدي المجرد، بل تبيّن –بنظرٍ أصوليٍّ منهجيٍّ أعمق– أنّ كثيراً من مظاهر التطرف إنما تنشأ من الزيادة أو النقصان عن الحدّ الشرعي، ومن اختلال ميزان التطبيق، أو تعطّل موجِب الحكم، أو غياب الفعالية المقصدية للنصوص في الواقع.
وانطلاقاً من هذا الإدراك، يأتي هذا الميثاق ليؤسّس قواعد علمية منهجية تقوم على إعادة ضبط مفهوم التطرف ضمن إطار الميزان الشرعي، لا بوصفه خروجاً عن النصوص فحسب، بل باعتباره انحرافاً عن مقاديرها، أو سوء تنزيلها، أو تعطيل آثارها، بما يؤدّي إلى اختلال العلاقة بين الاعتقاد والسلوك، وبين التشريع والتطبيق، وبين المقاصد والمآلات.
ولا يكتمل هذا النظر الأصولي بين المقاصد والمآلات، إلا بالإقرار المنهجي بأنّ كل علمٍ أو فكرٍ أو منهجٍ لا يُفضي إلى أثرٍ عمليٍّ منضبط في واقع المجتمعات يبقى علماً ناقص الفعالية، مهما بلغت دقّته النظرية؛ بل إنّ التنظير المجرد، متى انفصل عن مقصوده التطبيقي، يتحول من أداة إصلاح إلى عبء معرفي. كما أنّ الرأي، إذا لم يقم على أصل الاعتصام بالله، وضبط النية، واستحضار الغاية الشرعية، يفقد قدرته على الهداية والتقويم، ولو اتكأ على صوابٍ جزئي في بعض مقدماته.