بقلم: م. رلى زيد الكيلاني
The EQ-Educator
الاحترام حاجة إنسانية لا يمكن الاستغناء عنها مهما تقدم بنا العمر أو تغيرت الظروف والأزمان والأماكن والمعتقدات، فهو خلق دعت إليه جميع الأديان، واحترام الآخرباختلافاته وتقبله والتعايش معه بات من أهم الأمور التي يحتاجها الشرق كما الغرب اليوم في زمن يدهشنا كل يوم بسرعته وسهولة وصول الكلمة والمعنى والصورة.
نحن تعلمنا منذ الصغر احترام الكبير، واحترام قوانين المدرسة ، واحترام الدور، وقد نكون محظوظين جدا إذا كنا قد تلقينا بعض التوجيهات التي علمتنا احترام مشاعر الآخر وحقوقه. ومع ذلك فالاحترام هو متطلب أساسي للحياة الكريمة المستقرة والسعيدة، احترام الطفل كما الكبير، واحترام المعلم كما الأهل، احترام الزوج كما الزوجة، واحترام الخصوصية كما الحق، احترام المهنة كما المنصب، واحترام التاريخ والدين كما الثقافة والفنون، واحترام الرأي واختلاف الرأي كما هو احترام لحريتي وحريتك الشخصية.
ولكن قبل أن أتكلم عن الآخر، أتأمل في أصل الاحترام، وقد يكون في احترام الذات!
مقولة بوذية: ” أنت نفسك، كأي شخص موجود في الكون، تستحق حبك وعاطفتك”
فالذات هي مصدر تفاعلك، وهي الأحق بنيل احترامك وحبك، لأن احترام النفس هو المحك الحقيقي لأي قدرة إنسانية تترجم احترامنا للآخر، وهو الذكاء الذي فيه تفرض احترامك على من حولك.
كثيرا ما نسمع كلمة : "يا!" مجرد صوت أخرق يخرج بكل بلاهة ” يااا.. لنداء رجل كبير يقف في الدور لاستلام معاملة حكومية، للنداء بدون “يا سيد!! أو يا مدام لسيدة محترمة تقف في البنك تنتظر أن يرفع الموظف عينه عن جهاز الكمبيوتر أمامه ليساعدها، فتفاجأ بال ” ياااا ” من رجل خلفها يدفع بها جانبا للفت أنظار الموظف المخدر! وهي ذات الـ"يا" البلهاء التي ننادي بها لطفل في المدرسة أو حتى في غرفة الجلوس مع عائلته بدلا من "يا حبيبي"!
وغيرها كثير من الأصوات التشويش والتلوث الضوضائي الذي أنتجه نمط الحياة التي نعيش ليزيد من أسباب التوتر والتعب الذي نعاني منه، والذي إن نظرنا بتأمل للحظة لأدركنا ما يعكسه من انحطاط صريح في مستوى الاحترام في لغتنا المحكية والمتداولة على السوشيال ميديا، وما يخيفني هو مستقبل هذه اللغة وشكل حياتنا في السنين القادمة.
صرت أشعر أن اللغة المحكية باتت بعيدة بشكل كبير عن الرقي حتى في أبسط التعاملات التي تستدعي الرسميات، لا أتكلم فقط في ضعف مهارات اللباقة بل أكون لبقة جدا إذا قلت أن الشتائم باتت جزءا لا يتجزأ من لغة الشارع والأصحاب والنكات أو "التنهيف" التي فُرضت علينا نحن وأطفالنا بحجة الطفر!! فالكل طفران أخلاقيا حتى لو كان لا يشكوا طفر المادة وكأن الطفر بات عذرا لتقليل الاحترام واستخدام لغة همجية غريبة علينا واستبدال كلمات راقية اشتاقت الأذن لسماعها في مشوارنا الصغير للمخبز أو البقالة أو أصغر محل في السوق ” تفضلي ست الكل.. شو بتؤمري؟" بواجهات تسويقة لمَاعة مملة وسيارات فارهة ضخمة ووجوه متشابهة من اللامبالاة والفظاظة وعدم التهذيب.
وماذا بعد؟؟ إذا باتت اللغة المحكية في الشارع تضطرنا لإغلاق نوافذ السيارة كي لا نتعرض وأطفالنا لطرطشة اللغة الملوثة التي تلقى بقلة وعي وأدب واهتمام هنا وهناك، ونحن نعلم أننا لا نستطيع حمايتهم طوال الوقت، فماذا عن اللغة المحكية خلف الأبواب المغلقة؟؟ من يحمي الضعيف كان طفلا، كهلا، مريضا أو زوجة مستضعفة؟؟ ولماذا نطالب العالم والحكومات باحترامنا إن كنا نحن لا نحترم بعضنا البعض بالكلام ولغة الجسد والنظرات؟؟
لغة الاحترام ليست غريبة علينا.. ولكن علينا أن نزيل عن ألسنتنا هذا الغبار الذي جاء مع ما جلبته لنا الظروف القاسية.. قد ننسى في حياتنا العشوائية أننا نستحق الاحترام، لكن علينا أن نذكر من حولنا به، في البيت، في العمل في المدرسة وحتى في الشارع. فإن لم تحب أنت نفسك وتقدرها وتحترمها، فهل تنجح في فرض احترامك على الآخرين! وقد تكون الابتسامة مدخل سهل للتذكير!! ولنتذكر أن الطفل أيضا يستحق الاحترام وليس الكبير فحسب، فالأهل الأذكياء هم الذين يحترمون طفلهم عندما يحبونه بلا شروط. فلنتوقف عن شتم الأولاد، أو اتهامهم بأنهم لا يفهمون، خوفا من أن يكبروا ويصدقوا كلامنا! فباحترامهم نعلمهم قيمتهم ونكبرهم على الرضا بأنفسهم، ونخرج منهم رجالا ونساء واثقين من إحداث التغيير، لا يخافون ولا يشعرون بالنقص أو الإحباط من أي هبة ريح!
فلتعلَم أيها الأب ابنك المتعطش للإحساس بوجودك، لتعلمه كيف يحب من حبك لزوجتك واحترامك لها، علمه الحب الحقيقي، وليس حب الأفلام الذي لا يجد الشاب غيره مصدرا لتعلم الحب!
ولتعلمي أيتها الأم ابنتك كيف تثق بنفسها وتحب نفسها وتبحث عن الزوج العظيم الذي يستحق حبها ويحترمها!
أمامنا رسالة عظيمة، وعلينا أن نكون أقوياء، محبين ومحترمين! حتى نحسن أداء الرسالة
Comments ()