يقظة فينيغان - جيمس جويس.
تقديم
تُعدّ رواية "يقظة فينيغان"(1939) لجيمس جويس ذروة التجربة الأدبية في القرن العشرين، وتمثل نقطة تحوّل جذرية في مسيرته الإبداعية بعد النجاح النقدي لرواية يوليسيس. استغرقت هذه الرواية سبعة عشر عاماً من العمل، وواجهت عند نشرها انتقاداً لاذعاً بسبب غموضها، حيث نظر إليها البعض باعتبارها نتاجاً "للشعوذة أو الجنون". لكن هذا الغموض ليس عرضياً، بل هو استراتيجية جويس لاستكشاف الأبعاد الرئيسية التي يقوم عليها الوجود الإنساني: اللغة كتعبير عن اللاوعي، البنية الدورية المستلهمة من الفلسفة، وتفكيك مفهوم الذات والهوية.
تبدأ رحلة جويس هذه بالانفصال عن السرد التقليدي، متخذاً من طريقة عمل العقل الحالم شكلاً للعمل، ومن التاريخ والمعرفة موضوعاً. فقد رأى جويس أن اللغة العادية، بقواعدها النحوية البسيطة وحبكتها المسبقة، عاجزة عن التعبير عن "جزء كبير من كل وجود بشري يمر في حالة لا يمكن تفسيرها". وللتعبير عن هذه "المنطقة الرمادية" من الوجود، عمد جويس إلى تشويه بناء اللغة، مزاوجاً الكلمات القديمة أو مستعيراً من العديد من اللغات الأوروبية. هذه التقنية تهدف إلى جعل كل كلمة تحمل أكثر من معنى، مما يفتح النص على عدد لا نهائي من التفسيرات. إن جويس يصف أسلوبه بأنه "كتابة الليل"، حيث تنزلق اللغة من سلطة الأب (المعنى الثابت والسرد) إلى عالم الأم والجسد (الأصوات والرغبة)، ليتحرر الوعي في عالم الأحلام الخالد حيث تسيطر المادة الصوتية للكلمة على معناها.
لإضفاء إطار مفاهيمي على هذا التفكيك اللغوي، اعتمد جويس على الفلسفة الإيطالية، وتحديداً مفهومين محوريين. أولهما، جيوردانو برونو ومبدأ توافق الأضداد، حيث تنهار المتناقضات إلى وحدة عند أقصى حدودها. هذا المبدأ يُستخدم لتبرير التحول المستمر للشخصيات، إذ يصبح الجميع "كل شخص آخر في سلسلة لا نهائية من الاستبدالات"، مؤكداً أن جميع الهويات مؤقتة. ثانيهما، جيامباتيستا فيكو ونظريته الدورية للتاريخ، التي تنتقل فيها الحضارة عبر عصور لتنتهي بـ الريكورسو، وهي فترة دمار تسبق إعادة بدء الدورة. هذا المفهوم يُشكّل البنية الدائرية للرواية (التي تنتهي لتبدأ من حيث انتهت)، وهو رفض صريح لـ "التاريخية" التي تفترض التقدم نحو "غاية" محددة، ليؤكد جويس بدلاً من ذلك على التحقيق في حقيقة العمليات التي تُشكّل الذات عبر التكرار اللانهائي.
في سياق هذا التفكيك، تستكشف الرواية التناقض الجذري بين الشفوية الأيرلندية والنصية التي هيمنت على عصر الطباعة، ساعية لكسر عقد القراءة غير المكتوب الذي يحدد قواعد التفسير. يعود جويس إلى الأصل اللاتيني لكلمة "نص" بمعنى النسيج، مؤكداً أن النص هو كيان مصنوع يدويًا، ويستخدم التشفير الطباعي والرموز النمطية ليُظهر أن القراءة الحديثة تعتمد على رموز تعسفية لا علاقة لها باللغة المنطوقة. هذه النظرة تتجسد في البنية الدائرية للرواية التي تبدأ في منتصف الجملة وتكتمل في الصفحة الأخيرة، كما أن عنوانها نفسه يلعب على التورية بين "سهر الجنازة" و"صحوة آل فينيغان"، مما يُلغي الهوية الفردية لصالح الاختلاف والتكرار.
يتعمق التحليل النقدي في البنية العائلية والجنسانية من خلال عدسة النظرية اللاكانية، حيث يُنظر إلى المذكر كممثل للسلطة القضيبية التي تسعى لثبات المعنى، والمؤنث كـ تدفق أنثوي يمثل اللانهاية في المعاني والرغبة. الذات لا توجد هنا بشكل مستقل، بل تتشكل من خلال التفاعلية، حيث يحتاج الأب (البرج الثابت) إلى صورة النهر ليُنشئ هويته، لكن هذا الجهد محكوم عليه بالفشل (كـ هامبتي دمبتي)، لأن الحقيقة تكمن في دائرة "أنا وأنت" التبادلية. عند بزوغ الفجر، تُصبح رؤية "اليقظة" هي رؤية الذات في هذا المجال البيني قبل العودة إلى عالم التعريفات الواضحة.
أخيراً، يُعدّ تحديد بنية السرد تحدياً بحد ذاته، وتُعتبر جملة إدغار كوينيه المقتبسة بالكامل باللغة الفرنسية بمثابة "القطع المحددة عالية التركيز" داخل النص. تُؤكد هذه الجملة على التغيير الدائم في الحضارات ودورة التاريخ، لكن جويس لا يقبلها كـ "مخطط فلسفي ثابت". بدلاً من ذلك، يعمد إلى تحويل أصل كوينيه الثلاثي عبر متغيرات مختلفة: مرة بتحويله إلى مناظر أيرلندية تلمح إلى هرمجدون المستقبل، ومرة أخرى في الرسالة الأنثوية الختامية حيث تُنفى ساحات المعارك ويُختزل البطل إلى "زوج متلهف لإفطاره"، مؤكدة أن الزوجة تكتب التاريخ. وفي متغيرات لاحقة، يتم تحطيم إيقاع الجملة الفلسفي لصالح التافه واليومي، حيث يصبح الصراع مجرد انتخابات محلية أو سباقات خيل، ويتم استبدال النهاية الواثقة لكوينيه بعبارة "ما لن يكون ولن يكون"، مما يجسد رفض جويس للتاريخ كعملية مُنجزة.
في الختام، تُظهر "يقظة فينيغان" أن السرد ليس خطاً متقدماً، بل هو نظام متقاطع ودائري يتلون كـ "قطع بلوري" عند وضعه في سياقات مختلفة. إنها عملية قراءة نشطة وإعادة كتابة مستمرة، حيث تُفكك الهوية ويحل صوت الحياة اليومية والأنثوية محل حتمية التاريخ الذكوري، ليظل الوجود في دائرة تكرار أبدي.
علي مولا