
أنت واقفٌ في طابور طويل يتحرك ببطء، أو في قاعةٍ تنتظر دورك، الشاشة على الجدار تتحرك فيها الأرقام ببطء شديد. كل شيء من حولك بطيء ويتحرك كأنه على ظهر سلحفاة، وفوق ذلك هناك حياة في الخارج متوقفة تمامًا. كلا كلا، ليست متوقفة، إنما تمشي بسرعة هائلة، لكنها تمضي من دونك، أنت المتوقف.
إننا نستيقظ في الصباح نخطط ليومنا، اليوم سأفعل كذا وكذا، سأنجز الموضوع الفلاني، وسأزور هذا وذاك، وسأقوم بكيت وكيت، ثم حينما نخطو خطوة لإنجاز عمل ما، نصطدم بطابور يوقف لنا حياتنا ويهدم مخططاتنا، فنجد أنفسنا محلَّك سِر، لا نحن نتقدم ولا نحن قادرين على الخروج.
في عالم الحيوان، الضواري قبل أن تنقض على فرائسها، تقف هذه الوقفة؛ وقفة الانتظار، ساكنة جامدة تتحسس الطريق والمسافة بينها وبين الفريسة، وقد يستمر وقوفها ساعات أحيانًا، لكن هذا الوقوف ليس توقفًا لحياتها، إنما هو إنجاز من نوع آخر، خاصة حين يمضي الوقت وتستغفل الفريسة، فتنقض عليها وتصطادها، وتكون بهذا قد أنجزت حلم حياتها، على أمل معاودة الكرَّة في الغد. لكن الإنسان يختلف، هذا الانتظار وتوقف الحياة لديه لا يناسبه، خاصة في عصر السرعة الذي نعيشه اليوم. منذ أيام قليلة اكتشفت شركة OpenAI ثغرة في إحدى برامج الذكاء الاصطناعي فقررت إيقاف تطورها لمدة أسبوعين، وهي مدة غير كافية لحل الثغرة، غير أنها لن تغامر بالمزيد؛ لأن في هذين الأسبوعين ستتجاوزها مؤسساتُ الذكاء الاصطناعي المنافسةُ بخطوات كثيرة، لا بد من الإسراع فالتوقف مخاطرة جسيمة.
إن الثورة الصناعية نقلت الإنسان إلى عصر السرعة، ثم جاءت الثورة التقنية، والملتيميديا، ومن ثم ثورة الذكاء الاصطناعي، فنقلت كوكب الأرض بأكمله إلى عالم آخر، حتى أصبحت السرعة من ضرورات الحياة، فلا يكاد الواحد منا يُنهي إنجازًا من إنجازات حياته حتى تجدنا نسعى إلى آخر غيره. إن الجبال تزداد علوًّا يومًا بعد يوم، وحين تصل إلى إحدى القمم فتفكِّر في أن تتوقف برهة، ستجد الجبل قد ازداد، وستجد القمة قد صنعت لنفسها قمة أخرى عليك بلوغها. الإنسان في حركة مستمرة، ليس هذا فقط، بل في حركة سريعة مستمرة.
قديمًا كانت حتى الأغاني بطيئة، وذات إيقاعات هادئة؛ أغاني كوكب الشرق والعندليب الأسمر وغيرهما، يعقِّب الكاتب البحريني، حسن مدن، عن هذا، ضمن صفحات كتابه (في مديح الأشياء وذمها)، فيقول: «العصر الراهن لا يتطلب الكثير من ذلك، إنه قائم على نفي فكرة البطء والتمهل». ثم تحدَّث مدن عن الأرجنتيني إرنستو ساباتو أنه يرى أن السرعة «لا تُثمر ولا تُزهر، وأهم ما ينجم عنها هو الخوف. فالإنسان ما إن ينخرط في إيقاعها حتى يكتسب سلوك الآلة».
غير أن الإنسان يحتاج بالفعل إلى أن يركض، كُرهًا لا اختيارًا، فالسرعة كما قلنا أصبحت ضرورة من ضروريات الحياة، ومن يتوقف برهة كي يلتقط أنفاسه، يجد قطارات كثيرة تنطلق من المحطة وقد فاتته، وسيجد نفسه قد تخلَّف عن الركب. ولكن بالمقابل، الإنسان ليس آلة، إنه جزء من الطبيعة، والطبيعة تتحرك على مهل، ولو عاش في حركة مستمرة فسيخرج عن طبيعته التي جُبل عليها، وهذا خلل سيكولوجي وفسيولوجي لا تغتفره الطبيعة؛ لذلك هو يحتاج في خضم هذه المعركة إلى أن يترجَّل بين الحين والآخر، فيقف أمام شاطئ البحر أو في مزرعة جميلة، أو حتى في صحراء، يتوقف عن الحركة قليلًا، يأخذ نفسًا عميقًا ويترك الحياة تمضي بالسرعة التي تريد، من دونه، إلى أن يستعيد نفسه ويشحن طاقته الطبيعية، ثم يعود مرة أخرى ويركض معها كيفما شاء. وليدع قطارات الحياة تفوته، وقممَ الجبال تبتعد عنه إلى السماء، وذلك في سبيل غاية أسمى: أن يكون مع نفسه قليلًا.
يعتقد الإنسان أنه هو وحده من يخطط ليومه، ولا يدري أن هناك من يسرق منه وقته دون أن ينتبه.. الطوابير، على سبيل المثال، تفعل. وهذا أمر إيجابيٌّ برأيي، إذ إن الطوابير تجعل المرء يتوقف عن الركض، تُلجم آليته المصطنعة وتعيده إلى طبيعته الهادئة البطيئة، ثم تعيده من جديد إلى عصر السرعة.
الانتظارُ بكل أشكاله يسرق منا أوقاتنا؛ انتظارُنا عند إشارات المرور، انتظارُنا عند الحلاق، انتظارُنا في البنوك، انتظارُنا في أي مكان حتى يأتي دورنا، هذا الانتظار يسرق أوقاتنا، لكن السؤال هو: ماذا يفعل به حين يسرقه؟
الإنسان لكي يحلَّ مشكلة هذه السرقات الزمانية ابتكر المعاملات الإلكترونية، فيمكنك وأنت في منزلك أن تقضي الكثير من المعاملات دون أن تضطر إلى تضييع وقتك في طوابير طويلة، لكن يبدو أن الانتظار بطبيعته متجذرٌ في ثقافتنا العربية، وربما الإنسانية، وما زال الكثير من أوقاتنا يضيع.
قبل أيام ضاع مني وقتي فلم أُنجز بعض الأعمال في وظيفتي، إذ اضطررت إلى أخذ ابني إلى المستشفى، ابني في الثاني عشر من دراسته، وهي أخطر مرحلة دراسية من عمره، ضاع وقته هو الآخر. أخذنا دورنا عند العيادة وانتظرنا طويلًا، كان المرضى كثيرين؛ لذلك قررنا أن نذهب ونقضي بعض الأعمال خارج المستشفى إلى أن يحين دورنا عند الطبيب. ذهبت للتسوق، ثم إلى البنك، لكن كلا الأمرين لم أنجز فيهما شيئًا يُذكر، ثم عدت إلى المستشفى، وما زال دورنا بعيدًا، فبقينا في انتظار طويل، وضاع وقتي.
لكن هل فعلًا ضاع هذا الوقت، وذهب هباءً فيما لا طائل منه؟!
كانت هناك لوحة على جدار المستشفى تدعو المرضى أن يمضوا وقتهم بذكر الله، حتى لا يضيع منهم وقتهم في انتظار أجوف، إلى جانب ذلك كنت في فترة انتظاري هذه ألتقي ببعض الأشخاص الذين لم أكن قد التقيت بهم منذ فترة طويلة، كل واحد لديه مشاغله السريعة التي تركها لينعم بهذا التوقف الإلزامي، وكان هاتفي معي، فتحته وقرأت مقالتين أو ثلاثًا في إحدى الصحف الإلكترونية إلى أن يحين وقت دخولنا على الطبيب. فهل ضاع مني وقتي حقًّا؟ أليست هذه الأمور إنجازات فرعية، وحياة متحركة بشكل من الأشكال، مليئة بالحضور الذي عوَّض غيابي عن وظيفتي؟ لربما المسؤلون يعتبرون هذا غيابًا عن العمل، لكنه في حقيقته حضور لا تعترف به الوظيفة.
واللافت في الأمر أنني _ كما قلت _ قرأتُ بعض المقالات في فترة انتظاري هذه، وعلى ذكر القراءة، يحكي لنا الدكتور العزيز سالم الصوافي _ رحمه الله _ في كتابه (حديث الذكريات)، أن الإمام حسن البنا استدعي ذات مرة ليقول رأيه في كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر)، ولم يكن الإمام قد قرأ الكتاب، بل ولم يكن يملك الوقت لقراءته، والمهلة فقط خمسة أيام حتى موعد الملتقى، فاستغلَّ وقت ركوبه الترام (نوع من القطارات)، وكان يقرأ فيه الكتاب هناك في رحلة ذهابه إلى مدرسته وأوبته، وأنهاه قبل الموعد.
هكذا يجد المرء أن في فترة انتظاره الإلزامية الكثير من الإيجابيات، وربما هي هبة سماوية، إن هو استغلها بالطريقة الصحيحة، وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري لا يجب أن نغفل عنه: ما هو مقياسنا لليوم المثالي الذي لا نشعر معه أنه يوم ضائع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال يحتاج منا إلى الكثير من التأمل في يومياتنا، وفيما نفعله فيها.
الكاتب/ محمد قرط الجزمي
التعليقات ()