
هناك من يظن أن من قوانينِ الصداقةِ غيرِ المكتوبةِ أن يُفصح الصديق لصديقه عن أسراره كلِّها، وألاَّ يكون مخفيًا عنه شيء.
كلام رائع يصلح أن يُكتب بماء الذهب - على حدِّ تعبير ألف ليلة وليلة - وأن يُعلَّق على حائطٍ مؤطرٍ ببرواز مطرَّزٍ جميل، لكنها - مثل كثير من الكلمات الرنَّانة - مثاليةٌ مفرطة تحتاج إلى ضبط.
القاعدة التي يجب أن يؤخذ بها أنَّ كتمانَ السر، حتى عن أعزِّ الأصدقاء والأحباب، كثيرًا منه حكمةٌ بليغة، وهذا بعيد كلَّ البعد عن معنى الخيانة. والذي يُجرح لأن صديقه أخفى عنه سرًّا، يضع (لزقة) على قلبه ويسكت، هكذا الأمر ببساطة، من دون لوم ولا عتاب، اللهم إلاَّ أن يكون السر المخفي جارحًا في حقيقته، وهذا يعود إلى حكمتك العقلية في تقدير مدى خطورة أو أهمية السر، وليس إلى حكمتك العاطفية.
ستسافر؛ ليس شرطًا أن يعرف الناس، ولا حتى أصدقاؤك عن سفرك هذا. ستتوظف؛ لست مرغمًا على إخبار الناس. ستجتاز مرحلة مهمة في حياتك؛ لا معنى أن تخبر الآخرين بقفزتك هذه. إنَّ [اقضوا حوائجكم بالكتمان] توجيهٌ صائب، والكتمان يشمل أعزَّ الناس إليك، فلا تغترَّ بالعبارات الرنَّانة التي يتغنى بها مقدِّسو الصداقة. هي الصداقةُ مقدَّسةٌ بالفعل، ولكن ليس إلى درجة هدم خصوصيات الصديق. يمكنني إخبارك أني نجحت، أني سأسافر، أني سأتوظف، أني سأتزوج، فقط حينما أريد إخبارك، أو حينما يتم الأمر فعلًا ويتأكد، أما وأنا في طريقي لهذه الإنجازات، فما شأنك أنت؟ هل ستسلك الطريق معي؟ هل ستزيل الأشواك من طريقي؟ هل ستعطيني من مالك لأتزوَّد بالوقود وأنا في طريقي إلى هناك؟.. إذن أنا لستُ ملزمًا بإخبارك.
حتى في الإسلام، من الأفضل في صدقة السر ألاَّ تعلم شمالُك ما تُنفق يمينُك.
لا يستند الأمر على الثقة، ولا على الشك في صدق نوايا الصديق، ولا يعتمد على الريبة في أن صديقك يمكن أن يؤذيك، بل الأمر منوط بالخصوصية التي يحتاجها الواحد منا. فكما أنه لا يسوغ للصديق أن يدخل مع صديقه الحمَّام، مهما كان قربه منه وصداقته، كذلك هناك أمور لها رائحة كريهة في حياة المرء لا يُحب، لا هو ولا الطرف الآخر، أن يُطَّلع عليها، ولا يشمَّ روائحها.
إن كلمة (روح في جسدين) شاعرية، لكنها ليست حقيقية معنويًّا وماديًّا بحيث نطبَّقها على كل حبيبين وصديقين، ولا حتى على كل زوجين، بل حتى الأم، التي هي الأم، لا يمكنها أن تندمج مع فلذة كبدها هذا الاندماج الذي يطالب به بعض الأصدقاء أصدقاءهم.
أنتما لستما واحدًا، هذا أنت لديك خصوصياتك، وذاك هو لديه خصوصياته. إن الصداقة الحقيقة تمشي بحالة صحية حينما يحترم كل طرف خصوصية الآخر، ولولا ذلك لذاب أحدكما في شخصية الثاني، وهذا الأمر يلغي أحدَكما، وليس من المحبة في شيء أن يلغي الواحد منا الآخر. حكمةٌ من الله أننا لسنا واحدًا، وإلاَّ فلماذا خلقنا الله؟ يكفي أن يخلقك أنت فقط، ويترك الآخرَ في عالم الغيب، ما دمتما روحًا واحدة في جسدين، إذن نلغي أحد الجسدين وننتهي.
هَبْ أنَّ لأحد الصديقين أصحابًا وأقاربَ وزملاء، ويحمل هذا الصديق سرًّا يخص أحدًا ما، أن تنبش في سر صديقك معناه أنك تنبش في سر غيره، وهذا أمر غير مسوَّغ بتاتًا. احترم صديقك حين يخبئ عنك سرًّا ولا تضغط عليه، وإلاَّ أفضى سعيُك هذا إلى خراب لا تدري ما عواقبه.
وقد قيل: «أحبب حبيبَك هونًا ما، عسى أن يكون عدوَّك يومًا ما. وأبغض عدوَّك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبَك يومًا ما». فكم من صديق خان، وكم من محب أبغض، وكم من ثقة خان، ولو سألتم قيصر عن هذا الأمر لأخبركم عن بروتس.
التعليقات ()