
أنت تندفع إلى الأسفل، تسقط.. ليست هنا المشكلة وحدها، بل المشكلة الكبرى أنك تسقط بإرادتك، الكل يحذِّرك من نتيجة تهوُّرِك لكنك مستمر بالاندفاع إلى الهاوية بقوة وعزم وإرادة.. وربما بجنون كذلك.
لماذا تستمر بالسقوط؟ إنك تعلم أنك تتجه إلى الهلاك، تشبَّث بأي شيء وامنع هذه الكارثة.. عُد إلى رشدك، إلى طريقك، إلى الطريق التي يسلكها عامة الناس وشذذتَ أنت عنها.
هكذا ينظر الناس إليك، وهكذا يحذِّرونك وقد اختلطت عليهم الاتجاهات، لا يرون ما تراه، عندهم الأعلى أسفل والأسفل أعلى.. أنت ترى أنك تطير وتتجه إلى السماء، وهم يرون أنك تسقط وفي طريقك إلى قاع الهاوية، وبين ما تراه أنت وما يراه الآخرون، من هو صاحب النظرة السليمة؟ أنت ترى من منظور واحد، وهم كلُّ واحد منهم يرى من منظوره، معنى ذلك أن نظرتهم أكثر عددية، وربما أكثر شمولية أيضًا.
ماذا لو أنهم على حق؟!
عندما سُئل الفنان محيي إسماعيل عن مبادئه إن كان مستعداً أن يموت أو يُحبس من أجلها، أجاب بالنفي وقال: «مش جايز أنا حمار ومش فاهم حاجة؟!».
هناك فيلم بعنوان (Whiplash)، أُنتج عام 2014، يتحدث عن أندرو نيمان، طالب في معهد موسيقى يؤمن بنفسه ويريد أن يصل بعزفه إلى القمة، غير أن معلِّمه تيرينس فليتشر كثيراً ما يقلل من قيمته؛ يهينه حتى في أمه ذاتها، لكنه يواصل السعي صامداً، إلى درجة أنه كان يضرب على الطبلة بسرعة كبيرة حتى تدمي يداه محاولاً إرضاء معلِّمه، بل وتعرَّض إلى حادث سير واضطر إلى المشاركة في العزف هو ودماؤه.
لماذا كل هذا السعي وراء هدفٍ لا أحد يؤمن به غيره، متخليًّا عن كل غالٍ ورخيص في سبيل تحقيقه؟
هذا مثال، لكن الحياة ملأى بأمثال نيمان الذين يحاربون كل شيء، الناس ينظرون إليهم أنهم مجانين يسعون إلى السقوط في هاوية قاتلة، وهم يرون أنفسهم يرتقون سلالم النجاح ومصيرهم الحياة.
والشيء بالشيء يُذكر.. كُتَّاب الخيال العلمي في الوطن العربي يملكون أقلاماً تُمكِّنهم من الكتابة في صنوف مختلفة من الأدب، رائجة ولها جمهورها، صنوف من شأنها أن تصل بهم إلى الآفاق، فينتشرون في هذا العالم العربي الذي لا يؤمن كثيراً بالخيال العلمي، لكنهم مع ذلك، مع كل ذلك، مستمرون في خوض غمار هذا الصنف الأدبي غير الرائج، مؤمنين أنهم يكتبون لأنفسهم قبل أن يكتبوا لغيرهم، إنهم يستمتعون وهم يكتبون، رغم مشقة الكتابة في هذا الصنف، ورغم خلوِّ الطريق من المارَّة والقراء، لكنهم لا يستوحشون، بل على العكس، يتعمقون في تلك الطرقات أكثر فأكثر، تُسلِّيهم كلماتٌ عابرةٌ من بعض القراء هنا وهناك حين يُشيدون بفكرة أو بعبارة كتبوها، فإذا بهذه الإشادة البسيطة وقودٌ يزيد من طاقتهم ليسلكوا تلك الطريق بعمق أكبر.
المهندس، الطبيب، الميكانيكي، المعلم، ومهن كثيرة مختلفة، تجد فيهم ذلك الذي يتوقف عن القطيع فجأة ويسلك طريقاً مختلفة، يرى فيها النورَ والناسُ من حوله يحذِّرونه من الظلام، لكنه يتجاهل كل هذا ويستمر في المضي قُدُماً نحو النهاية التي ربما يصل إليها، وربما لن يصل، لكنَّ النهايةَ ليست هي الغايةَ الأكبرَ بالنسبة له، إنما غايته الطريق ذاتها.
لعلَّك قابلتَ واحداً من هؤلاء الـ(مجانين) في حياتك.. أو لعلك - أنت نفسك - واحد منهم.

بقلم/ محمد قرط الجزمي
@MAQarat
إصدارات الكاتب متوفرة على منصة ذات أفنان الثقافية على الرابط التالي:
https://payhip.com/ThaatAfnan/collection/maqarat
اقتنوها
التعليقات ()