
بهجة العيد تكمن في شيء واحد لا ثاني له، ألا وهو علاقاتك مع الآخرين، قبل حتى أن تكون علاقتك مع نفسك، ولقد اعتدنا في مجتمعاتنا هنا أن نحتفل بالعيد في تجمعات مختلفة، وزيارات متعددة، لمن نعرف ولمن لا نعرف، وآكدُ تجهيزاتِ العيد الطعامُ، إذ تستعد البيوت بمختلف الأطعمة لاستقبال زيارات الآخرين، فيخرج المرء من بيت فلان إلى بيت فلان، ثم يدعوهم إلى بيته، يأكلون ويخرجون إلى منزل آخر، ليس لأنهم جائعون، بل لكي تكتمل فرحة العيد - كما قلنا - بالتجمعات وتوطيد العلاقات مع الآخرين.
عبد الوهاب المسيري في كتابه ”رحلتي الفكرية“، يقول: «في العيد كنا نلبس الملابس الجديدة، ونُسقط الحدود مؤقتاً من المجتمع كله، وكان الصراع الطبقي يخفُّ إلى حدٍّ كبير، إذ كان يعمُّ جوٌّ من المساواة الجميلة، فكانت عبارة ”كل سنة وانت طيب“ هي العبارة التي يجدد الناس من خلالها علاقتهم بمفهوم الإنسانية المشتركة، وبالعناصر الكونية في وجودهم».
السؤال الآن: إذا كان العيد يُقوِّي هذا الترابط الإنساني فيما بيننا، فلماذا يأتي الإسلام ويمنعنا من أن نُكثر من أعيادنا، ويحدد لنا العيد فقط عيدين في العام الواحد؟ إننا بحاجة إلى الأعياد والمناسبات لكي نُرمم هذه الجسور التي بدأت تتآكل مع ظهور مواقع التواصل الافتراضية، التي هي في حقيقتها مواقع هدم اجتماعية، إلى درجة أننا نعرف مُضافينا في حساباتنا المختلفة، أفكارَهم وميولَهم وطقوسَهم اليومية، أكثر من معرفتنا أقاربنا وإخواننا وأهلينا، لكن إذا تكررت الأعياد تكررت معها المناسبات التي تعزز علاقاتنا، فكيف يأتي الإسلام ويختزل الفرحة إلى عيدين فقط؟!
الحقيقة باختصار أن هناك ظاهرة نفسية اسمها (التكيُّف الوجداني).
إن من قرأ رواية (الدماء تعود إلى مجاريها)، يجد فيها: «… الانسانُ جُبِلَ على أن يعتاد كلَّ ما يتكرر من حوله ولا يلتفت إليه، مهما بدا بديعاً ومهما بدا خلاَّباً؛ لأنه يتكرر أمامه كل يوم، فإذا هام به حبًّا اليوم، فإنه بلا شك سيقلُّ هيامه به غداً، وسيكون بعد غدٍ أقل هياماً به، وهكذا إلى أن يأتي اليوم الذي يسير أمامه ولا يلتفت إليه مطلقاً».. هذا يختصر بالضبط ظاهرة التكيُّف الوجداني (Hedonic Adaptation) الذي يتحدث عنه علم النفس السلوكي، فجهازنا العصبي يتفاعل مع التغييرات، وليس مع الأمور الثابتة؛ إن المنزل الفخم الذي تسكنه أول مرة سيثير فيك البهجة والسرور، ولكن نفس المنزل بعد عام سيغدو عاديًّا ولن تلتفت إليه، كذلك الراتب العالي الذي لم تتخيل يوماً أن تحصل عليه، ستتكيف مع الزمن ويصبح بالنسبة لك أقل مما تحتاجه، والسيارة الفارهة، والهاتف المحمول الحديث، والطعام اللذيذ الذي تأكله أول مرة، كل هذه الأمور ستتكيف معها وجدانيًّا بعد حين، فلا ترى تأثيرها عليك.. الأمر يشبه الشمس التي تمدنا بالحياة ولولاها لماتت كل مخلوقات الأرض، لكن من منا يفتح عينيه صباحاً ليستشعر عظمة كرة اللهب هذه؟ إنَّ من قرأ رواية (تحت ظل الظلال)، حيث غابت الشمس عن كوكب الأرض لعقود عديدة، سيفهم ظاهرة التكيُّف الوجداني هذه.
هنا نقول إنه لو كانت الأعياد كثيرة، ككثرة شروق الشمس اليومي، لشعرنا معها بتكيُّفٍ يجعل تأثيرها باهتاً، ولأصبح العيد روتينيًّا لا تأثير له، ليس فقط من ناحية الفرح، وإنما من ناحية العلاقات الإجتماعية التي تحتاج إلى تجديد متواصل، وترميمٍ مُتعهَّد، في العام مرتين.. هذا كافٍ تماماً.
وإنها لحكمةٌ أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ لكل قوم عيداً، ولنا عيدان: الفطر والأضحى]، فكأن اقتصارَ الأقوام على عيد واحد مُعاب، وتكرارَهما عندنا مَكرمة، والإكثارَ عن الاثنين يُفسد قدسية العيد ومعناه وهدفه.
***
نعود الآن إلى جملتنا الأولى: بهجة العيد تكمن في شيء واحد لا ثاني له، ألا وهو علاقاتك مع الآخرين.
وهذا حق.. لذلك تسعى المؤسسات العربية والإسلامية كلها إلى منح الموظفين إجازات في موسم العيدين، حتى يمارس الناسُ علاقاتهم الإنسانية مع مجتمعاتهم بالطريقة المثلى، التي تحفظ جوهر العيدين، ولعلَّ من نافلة القول أن نشير إلى أن ما تفعله المؤسسات التعليمية من فرض امتحانات على طلابها بعد العيد مباشرة، هذه الاستراتيجية قد تؤثر سلباً على قدسية العيد التي نتحدث عنها، فينزوي الطالب في بيته منعزلاً عن مجتمعه، يمسك كتبه، ويذاكر استعداداً للامتحانات، التي قد يُكْرَم فيها مرة، ويُهان مرتين.
إنَّ الكاتب (وهنا أُشير إلى نفسي أولاً قبل أي كاتب آخر) ليعتزل الناسَ ويعتكف في كتاباته وقراءاته، ربما يوميًّا، حتى إذا جاء العيد (أو أي مناسبة اجتماعية أخرى) اعتزل الكتابةَ إلى حدٍّ ما، واعتكف يمتزج مع الناس في مجتمعه على قدر المتاح، وهذا شأن كل فطنٍ أريبٍ يعرف أن لكلِّ مقام مقالاً، وأنا من عادتي كذلك أنه إذا زارني زائرٌ أن أسأله عن أولاده لماذا لم يصحبهم معه، حرصاً مني على زرع هذه الثقافة في النشء القادم الذي انغمس أكثر مما يجب في عالم وسائل التواصل الافتراضي، وصار يجهل كيف تسير المنظومة المجتمعية في علاقاتها بعضها ببعض، ألا يكفي أن معايداتنا صارت برسائل جماعية ننثرها على من نعرف وعلى من لا نعرف، بضغطة زر؟ تهنئة جافة لا روح فيها، يقرؤها من يقرأها، ويتجاهلها من يتجاهلها!
عموماً.. أضحى مبارك عليكم جميعاً، كل عام وأنتم بخير، وعساكم من عوَّاده!

الكاتب: محمد قرط الجزمي
التعليقات ()