
انكسر سنُّ قلمي المفضل، إنه لأمرٌ محزن.
حسناً، هذا ليس موضوعنا، أنا موضوعي اليوم عن خطي السيء الذي لطالما أحرجني، إلى درجة أن بعض زملائي المعلمين في المدرسة كانوا يتهمون الطلاب بالتزوير، لأن الورقة التي أعطيها لهم تحمل خطًّا من غير المنطقي أن يكون خط معلم.
منذ كنت صغيراً وأنا أعاني من هذا الخط السيء، إلى درجة أنني في الصف الأول الإعدادي حصلت على المركز الأول، معلمُ اللغة العربية صحح لي دفتر التعبير، أعطاني درجة كاملة، ثم رمى بالدفتر على الأرض بطريقة مهينة، وقال ساخراً: ”هذا خط طالب يحصل على المركز الأول؟“. وبعض أصدقائي كانوا يسخرون من خطي أيضًا، وهذا خلق عقدة نفسية لازمتني طويلاً.
عندما كنت في الكلية، قررت أنني لا بد وأن أتعالج من هذا المرض، على الرغم من كل ما يقال لي بأن معظم العباقرة خطهم سيء، إنهم يفكرون أسرع من حركة أيديهم، لهذا يتشوه الخط حين يكتبون، كل هذا لم يقنعني فقررت أن أقوم بعملية تجميل لخطي.. جالست كل من أعرف أن خطه جميل، وطلبت منهم أن يعلموني، ولقد سعوا بالفعل إلى أن يدربوني، ولكن من دون فائدة.
لازمتني هذه العقدة فترة طويلة، وازدادت بعدما أصبحت كاتباً، إذ الآن يتوجب عليَّ أن أكتب الإهداءات لقرائي، وكان هذا من أحد الأسباب التي منعتني من حضور معارض الكتاب، منذ 2012 إلى عام 2019، كنت فيها أتحرج من أن أقول إنني كاتب وهذا كتابي، حتى لا يقال تعال ووقع لنا، وكنت حينما أضطر، أتجنب توقيع الكتب في حضرة القارئ نفسه، فأبتعد وأحاول قدر استطاعتي أن أكتب بأفضل خط ممكن، ثم أستسلم لقدري (ولقدر القارئ) فأكتب المتوفر عندي من الخط، ما لا يستطيع القارئ نفسه على قراءته، هناك بعض القراء يرفعون معنواياتي ويقولون إن خطي جميل، غير أنني أعرف أنهم بجاملونني ولا أصدقهم.
إلى أن جاء عام 2019.
في معرض مسقط للكتاب 2019، جالست خطَّاطاً محترفاً، أخبرته بأمري فطلب مني أن أكتب أمامه، فكتبت ما استطعتُ إليه سبيلاً، وكنت أنتظر نظرة شفقة منه، لكن ما أدهشني أنه قال، وبصوت واثق: عجيب، خطك جميل.
خطي ماذا؟!
توقعت أنه يمزح، أو أنه يجاملني، لكنه يتحدث بثقة، وجلس يشرح لي وجهة نظره، قال: أنت ترسم الحروف بطريقة سليمة، انظر إلى الحروف التي كتبتها، إنها بخط الرقعة، بنفس الرسم المعتمد، أنت فقط بحاجة إلى بعض التعديلات وسيتحسن خطك كثيراً.
هذا كلام جديد جداً، لم أسمعه طيلة أربعين سنة!
منذ ذلك اليوم وأنا أكتب بثقة، جلست أحاول تقليد بعض الخطوط الجميلة، وتابعت بعض دروس تعليم الخط على اليوتيوب، ولقد لاحظت بالفعل أن طريقة رسمي للحروف لا تختلف كثيراً عن الخطوط الجميلة، شيئاً فشيئاً بدأت أقتنع بخطي.. لا أقول إنه جميل، لكنه ليس سيئاً إلى الحد الذي كنت أراه.. بل ليس سيئاً إلى الحد الذي جعلني أصدقائي أراه وأنا صغير.
تعلمتُ من تجربتي هذه - متأخراً - أنه لم يكن خطي سيئاً منذ البداية، لكن نظرتي السيئة لخطي هي ما كانت تشوهه.. أنا الآن لا أكتفي بتوقيع كتبي لقرائي فحسب، إنما أنشر خطي أحياناً في حساباتي على السوشيال ميديا.
هذا جعلني أهتم بقلمي كثيراً، إلى درجة أنني اشتريت مؤخراً قلماً جميل الشكل، جميل الخط، أكتب به كثيراً، ولكن للأسف انكسر سِنُّه.. صورت السن المكسور للشات جي بي تي، فأخبرني أن إصلاح السن مستحيل، الأفضل شراء سن آخر من أمازون.
حسناً، للقلم سنان آخران، ليسا بنفس المقاس الذي أريد، لكنهما يفيان بالغرض، المشكلة إذن ليست كبيرة.
إنني أحكي هذه القصة كي أخبركم أننا رائعون في الأشياء التي نرى أنفسنا فاشلين فيها، المشكلة فيمن حولنا أنهم يُوهموننا بالفشل، ثم نحن نصدِّق هذه الكذبة.
آمِن بنفسك ترى جمالها!

التعليقات ()