
نسيت أن (أكبر).. لأن أمي دائماً موجودة.
منذ وُلدتُ وهي تفهم معنى صرخاتي، تفسر همهماتي، وتدرك جيداً أصل احتياجاتي دون حرف مني، وعندما بدأتُ أتعلم النطق وكانت حروفي متلعثمة، كانت الوحيدة التي تفهمني، بل وتشرحني لمن هم حولي.
في كل طفولتي كانت تعيش حياتي لا حياتها؛ كل لحظة من عمرها تمضي كنتُ أنا أول اهتماماتها، حتى عندما رُزِقَت بطفلٍ ثانٍ من بعدي، كانت تجيد فعل كل ذلك وأكثر.. بل زاد اهتمامها بي أكثر فأكثر؛ وكأن وجود طفل جديد يعني وجود فصل تعليمي آخر يُضيف إلى سجلاتها مزيدًا من النجاحات والخبرة.
لا أعلم إن كانت أمي تجيد تسريح الضفائر أصلاً، لكني أذكر جيداً أنها كانت ترتب شعري، كما كانت ترتب شعوري ونبضات قلبي..
كنت كـ(فأر) تجارب لها؛ تتعلم فيَّ معنى التربية والتعامل مع الفتيات، تتعلم كيف تختار الفستان المناسب لعمري، وتتعلم كيف تختار الوجبات المناسبة لمرحلتي، وأي وقت هو أصلح للعب أو للراحة.. تتعلم كيف تختار المدرسة المناسبة، كيف تختار القصص والكتب لتثقيفي، كيف تجيد فن إقناع الأنثى، وتتعلم كيف لها أن تنجح كـ(أم صالحة).
أذكر وأنا في العاشرة من عمري أو أقل، سمعتني إحدى نسوة الحي أنادي (ماما)، فضحكت عليَّ ملأ سنها حتى تعالى صوتها، قائلة: ”دلوعة بتقول ماما“. لا أعلم وقتها كيف كان الأطفال ينادون أمهاتهم، لكن سخريتها أثار فضولي الطفولي. ركضت إلى (ماما) شاكية، فقالت لي: ”دعك منها وأخبريني، ماذا أردتِ حتى ناديتني (ماما)؟“. حينها نسيت ما كنت أريد، لكنني أحتضنت أمي بقوةٍ لا زلت أذكرها.
في التاسعة عشر من عمري تعرضت لوعكة صحية شديدة، فقدت على إثرها مقدرتي على الحركة والنطق، وحتى ذاكرتي، إلا أن أمي كانت هناك، هي يداي وقدماي ولساني وذاكرتي، فما ضرني من الأمر شيء.
في الثانية والعشرين تعرضت لوعكة صحية أخرى، فذهبت بي أمي إلى الطبيب المعالج الخاص بي، عرضتني عليه. سألني: ”ما بك؟ بماذا تشعرين؟“. نظرتُ إلى أمي، فحدثته هي بما أشعر به نصًّا، وكأن الضُّر بها وليس بي.
ذات يوم بقيت بعيدة عن أمي، واضطررت للذهاب إلى الطبيب وحدي. سألني: ”ما بك؟“. ساد الصمت بيننا، هو ينتظر الجواب، وأنا أنتظر أمي لعل (طاقية الإخفاء) تأتي لي بها.
أعاد السؤال، ولكني بقيت صامتة، فقط بعثت لأمي رسالة نصية قائلة: ”ماما، أنا عند الدكتور، هو سألني بحس بإيه، وأنا ما عرفت أحكي له“. ضحكت أمي والطبيب والممرضة، وأنا تسمَّرت مكاني.
”أمي أجيبي..“. تضحك ثانية ويحدِّثه بما بي من ألم، وعلى هذا النحو استمرت حياتي.
أذهب للتسوق فأشتري متطلبات المنزل كاملة؛ أشتري احتياجات إخوتي الصغار، وأمي وأبي. أما أنا فأنسى ما أريد لنفسي، أو - للأمانة - أجهل ما أريد، فلا أتوانى عن سؤالها عما أريده.
حتى في دعواتي أنا أنسى نفسي، لكن أمي تقيم الليل من أجلي، وترفع لله ما أريده، أنا فقط أكتفي بقول (يا رب!).
الله خلقها بمقدرات تجعلني أراها معجزة، وليست إمرأة عادية.
أحياناً أنظر لها وأقول في نفسي: هل يُعقل أن أصبح مثلها ذات يوم؟
أقسم بأن ما تفعله أمي غير طبيعي.. تتحمل تصرفاتي الغبية، ثرثراتي الساذجة، ضعفي، مرضي، طيشي، عنادي، جنوني، وتجيد التعامل مع كل شيء يخصني.
قبل أيام ذهبتُ إلى الطبيب، وبعد التحية جاء سؤاله المعتاد.. هذه المرة لم تكن أمي هنا، بل كانت صديقتي. وبالفعل نظرت إليها وكأني أنتظر منها أن تتحول إلى (ماما).
ضحكت، ثم قالت: ”مرام، الطبيب يسألك“.
ماذا أفعل أنا؟ ليسأل كيفما يشاء، أمي ليست هنا لتجيبه، ولا أملك لسؤاله جوابًا، رغم أن العلة بي، والسُّقم بي، والضعف بي، لكن أمي هي التي يجب عليها أن تجيب وليست أنا.
انتهت مقابلة الطبيب وقام بدوره، لكن دور أمي لا زال قائماً، فهي التي أعتادت أن تأتيني بالدواء، تذكرني بمواعيده، تقف إلى جانبي حتى أتناوله، تنظم موعد وجباتي، ساعات نومي، وتعرف ما هو ممنوع وما هو مسموح.
مرت ثلاثة أيام ولم أتذكر الدواء غير مرة واحدة، وحتى إن تذكرت فأنا لا أعرف كيف أتناوله، أما عن وجباتي فقد تحولت إلى وجبة واحدة، ويمكنني استبدالها بكوب قهوة وقطعة شوكولا.
وأما النوم، تسريحة شعري، لفة حجابي، تنسيق ملابسي، ضحكاتي، كأس الشاي الصباحي، طريقة جلوسي، ساعات عملي، خروجي من المنزل، فراشي، غرفتي، كتبي، مستحضرات التجميل، الحياة بأسرها.. كل شيء هنا مبعثر، حتى نبضات قلبي.
حقاً، أمي تعلمت فيَّ كل شيء، وعلمتني كيف أفعل كل شيء، لكنها نيست أن تعلمني كيف أعيش بعيدة عنها، وأنا بدوري نسيت أن أكبر.
مقالة أخرى للدكتورة مرام:
التعليقات ()