
ـ «ما معنى أن تكون في سن الأربعين؟»
ـ «معناه أنك قد تحولت إلى شطيرة»
هذا الكلام ليس إنشائيًّا من كاتب المقال، إنما هو مصطلح تم تداوله لأول مرة في بدايات ثمانينات القرن الماضي.
إن جيل الشطيرة (The Sandwich Generation) جيلٌ محشورٌ بين جيلين، تمامًا مثل شريحة الشطيرة التي تُحشر بين خبزتين. ويُطلق هذا المصطلح عادةً على من يعيش منتصف العمر، يرعى جيلين؛ الأبناء وكبار السن.
هو يعتني بأبنائه؛ من مأكل ومشرب ودراسة، ويقوم بتهيئتهم إلى أن يشتدَّ سوقهم فيُكملوا طريقهم معتمدين على أنفسهم، لكن الحقيقة أنهم مهما كبروا سيظلون يعتمدون على هذا الشخص، رجلاً كان أو امرأة، الذي يظل واقفًا مثل عمود الخيمة، إن وقع وقعت الخيمة كلها.
وفي الوقت ذاته يرعى كبار السن، أبًا كان أو أمًّا أو أحد الجدين؛ يهتم بصحتهم ويرعى احتياجاتهم، ويلبِّي طلباتهم.
أُدرج مصطلح (جيل الشطيرة) في القواميس بدءًا من عام 2006، وبدأ يُستخدم حتى في الأعمال الأدبية.
في روايتها ”الأزواج الصالحون“، ترى كيت راي أن هذا المصطلح ليس دقيقًا، بل إنه جيل: «أقرب إلى الكباب؛ قطع متراصة في سيخ واحد، ونحن القطعة الرفيعة التي تمسكها كلَّها»، ولعلَّ في كلامها شيئًا من منطق، إذ إن هذا الجيل عمودٌ يُستند إليه، هو ليس ضمن القائمة المستهدفة فعلاً، لكنه في النهاية لا يؤكل كما في حال الشطيرة، بل بعد أكل الكباب يُغسل ويُحتفظ به إلى حين الشواء التالي، هذا في حال استخدمنا سيخًا معدنيًّا، أما إذا استخدمنا سيخًا خشبيًّا، فالذنب ذنب السيخ أنه لم يكن قويًّا ولم ينأى بنفسه عن الاحتراق.
وسواء كان أفراد هذا الجيل شطائر سندويتش أو أسياخ كباب، في كل الأحوال وقتهم موزَّع بين جيلين، كل جيل له متطلبات مختلفة لا تشبه متطلبات الآخر، هذا بخلاف متطلباتهم هم أنفسهم التي لا تلقى من يلبيها لهم، بل إنهم هم المسؤولون عن تلبيتها بأنفسهم لأنفسهم، مما يجعل العبءَ عبئين، بل العبئين ثلاثة.
أبناء هذا الجيل لم يكونوا قد كوَّنوا أنفسهم بالضرورة، حتى وإن بلغوا الأربعين من أعمارهم، خاصة في عصر غلاء المعيشة التي اجتاحت العالم على حين غرَّة، كجائحةٍ لم نتعافَ منها حتى الآن، بل على العكس، استساغ الكبار هذا الأمر وأكملوا الطريق في زيادة الأسعار، بحجج مختلفة، فأيُّ مناسبة عالمية تحصل أولُ نتائجها هو ارتفاعٌ في أسعار البضائع، حتى وإن لم تؤثر المناسبة على السعر في الواقع؛ لذلك يصعب على كثير من أبناء جيل الشطيرة هؤلاء تحريك قواربهم، إنهم لا يملكون لا وقودًا، ولا طاقةً للتجديف، بالكاد يعيش الفرد منهم على راتبه، فكيف بنا نأتي ونطالبه بإعالة جيلين، كل جيل له احتياجاته المختلفة، ماديًّا ومعنويًّا؟!
إنه جيلٌ منهكٌ نفسيًّا، ومستنزفٌ معنويًّا، والأعباءُ مضاعفةٌ على كاهله ماديًّا. هذا جعل الكاتبة الرومانسية، كارول ماثيوس، تقارن بين الأعباء الملقاة على عاتقهم، وعلى المصطلح المفروض عليهم، فكتبت في إحدى رواياتها اعتراضًا رقيقًا: «إننا عالقون بين الاستمرار في رعاية أبنائنا، وبين الاعتناء بوالدينا. إن اسم ”جيل الشطيرة“ يبدو ألطفَ مما هو على حقيقته، أليس كذلك؟».
لكننا في الواقع نرى الجانب المرهق من العلاقة، فكما أن أفراد هذا الجيل هم الحلقة الأضعف، الذين يضحُّون ويقضون أوقاتهم ومشاعرهم وصحتهم في سبيل الآخرين، بالمقابل هم الحلقة الأقوى من حيث أن الجميع يستند إليهم، بهم تنهض الأسر، فينشأ الجيل الصغير قويًّا، ويستمر الجيل الكبير متنعمًا ومتأملاً في الحياة، ولولا ذلك لانهارت الكثير من المجتمعات ولساد الفساد. وهو ما يوافقني عليه كاتب الخيال العلمي الإندونيسي، تيتون رحماوان، إذ يقول: «إن جيل الشطيرة ليس لعنة، بل هو اختبار، ومن يستطع الصمودَ وتحمُّلَ المسؤولية، سيمشي بالجيل القادم إلى الأمام ويرفع من شأنه».
على أنَّ الحقيقة التي يجب علينا أن نعترف بها هي أن جيل الشطيرة لا يتذمرون من مسؤولياتهم، بقدر ما ينتابهم الشعور بالتقصير تجاه الجيلين اللذين يعولونهما، أحدِهما على الأقل، وهذا شعور نبيل حين يكون الفرد قد أدَّى دوره فعلاً كما يجب عليه أن يكون، بقدر استطاعته وبقدر إمكانيته، بشرط ألاَّ يصل إلى مرحلة جلد الذات، بل أن نعامل أنفسنا بعقلانية أكبر، وأن نتوقف عن ممارسة المثالية التي تجعلنا نرى الحياة وردية ونحن سبب سوداويتها. الحياة يا صديقي رقعة شطرنج، اختلط بياض رقعتها بسوادها، فصارت رمادية، ونحن مجرد بيادق، كلٌّ يسعى إلى هدفه، من وصل وصل، ومن سقط فهذا حال أغلب البيادق.
الكاتب/ محمد قرط الجزمي
التعليقات ()