
هناك تلك القصة التي وصلتنا من الغرب، عن الموت الذي جاء يقبض روح رجل، فسأله الرجل: ”لماذا الآن؟“، أجابه الموت: ”لأن اسمك مكتوب عندي في أعلى القائمة“، فقال الرجل: ”دعنا نشرب فنجان قهوة معًا، وافعل بي بعدها ما تريد“.
ثم إن الرجل وضع في فنجان القهوة منوِّمًا، ولما نام الموت غيَّر الرجل القائمة وجعل اسمه في نهايتها.
استيقظ الموت من نومه، شكر الرجل على كرم الضيافة، وقرر أن يغير نظامه هذه المرة إكرامًا للرجل، وسيعتمد ترتيب القائمة من أسفل.
نخرج من هذه القصة أن الإنسان مهما حاول الهروب من المكتوب، فإن القدر يدور ويلتف، ويعود يحقق المكتوب، شئنا أم أبينا.
هناك قصة أخرى، لم أتحقق من صحتها، لكنها وصلتنا بروايات مختلفة، عن سيدنا سليمان عليه السلام أن ملك الموت زاره يومًا على هيئة بشر، وكان مع سليمان بعض الرجال، وملك الموت قد ثبَّت عينيه على أحد الرجال ينظر إليه نظرة ثاقبة، حتى إن الرجل شعر بالخوف، وطلب من سليمان أن يرسله بعيدًا عن ملك الموت هذا، فأرسله إلى الهند. ثم إن سليمان عليه السلام سأل ملك الموت عن سبب نظرته الغريبة إلى الرجل، فقال: ”لقد أُمرتُ أن آخذ روح هذا الرجل بعد ساعة في الهند، فاستغربت أنه هنا الآن“.
لربما هي ليس قصة حقيقية، وقد تكون وصلتنا من الإسرائيليات، فدعونا نتحسس فكرتها فقط على الأقل.
في عام 2015 أصدرتُ مجموعتي القصصية (قد نموت ألف مرة)، فيها قصة عنوانها (مرة أخرى)، عن شاب صدم رجلاً بسيارته، فتدهورت حالة الشاب، وعاش حياة مليئة بالمشاكل. ثم إنه بطريقة فانتازية، عاد به الزمن من جديد إلى وقت الحادث، فقرر أن يغير قدره وألاَّ يصطدم بالرجل، غير أن الذي حدث بعد ذلك كان أسوأ مما كان قد حدث من قبل.
الشاهد من رسالة هذه القصة أن ما كُتب لك هو أفضل ما يمكن أن يكون، فلا تندم على ما فات وتحاول أن تعود لتُغيره.
ولكن هل معنى كل هذا أن علينا أن نستسلم للقدر؟
الحقيقة أن في هذا السؤال مغالطة كبيرة، إذ إن القدر غيبٌ لا نعرفه، فكيف بنا نستسلم لشيء لا ندري ماذا يحمل وكيف هو شكله. الطالب الذي يرى نفسه ضعيفًا في مادة من المواد فيشعر باليأس ويقول إن قدره أن يرسب، والمريض الذي لم يبرأ من مرضه يرقد على سريره ينتظر الموت يقول قد حان أجلي، والذي فشل مرارًا في تحقيق هدفه يستسلم ويقول إنه قد قُدِّر عليه الفشل.. كل هذا ليس استسلامًا للقدر، لكنه استسلام لمشاعر نحن من صنعها في داخلنا.
إننا مأمورون أن نؤمن بقدر الله ونرضى، ولكن من الخطأ أن نستسلم للقدر، ما أدرانا نحن بالقدر؟ فليحدث أولاً ولنتعرف عليه، ثم نرضى به ونؤمن. الله سبحانه وتعالى يكتب أقدارنا، ولكن حين نقول إننا نصنع أقدارنا بأنفسنا فهذا لا يخالف ذلك، بل إنه هو الصواب بعينه.
حين تمشي تصل، أنت هنا تصنع قدرك.. حين تنهض وتعمل تجني رزقك، أنت هنا تصنع قدرك.. حين تسعى تنجح، أنت هنا تصنع قدرك.. أم إنك تنام وتنتظر رزقك وهدفك ونجاحك هو من يطرق لك بابك؟!
لهذا السبب نحن مُحاسبون على كثيرٍ مما هو مقدَّر علينا؛ أن يسرق أحدُنا، يقتل، يؤذي، يؤمن أو يكفر؛ هنا نحن من صنع أقدارنا، وقد كُتب هذا منذ الأزل؛ لأن الله قد أحاط به علمًا قبلنا، فاستحقينا العقاب، وهذا هو العدل ذاته.
إن ناموس القدر يمشي على قاعدة السبب والمسببات؛ افعل تحصل، وإلا فاستسلم، واستسلامك هو صناعة للقدر أيضًا، لكنها صناعة سلبية تُورث الفشل.
الرضى بالقدر يكون حين يتحقق القدر ونراه رأي العين، وليس حين نتوقع الشيء ونحكم عليه، غيبًا، أنه القدر.
اسعَ.. حتى وإن جاءك ملك الموت تراه يريد أن يقبض روحك، اسعَ إلى النجاة ما استطعت إلى الحياة سبيلاً، لا تستسلم، فأنت لم تتحقق من أَجَلِك أنه قد حان بعد.
الكاتب/ محمد قرط الجزمي
التعليقات ()