
دعونا نعترف جميعًا أن المثقفين في حركة صراعات مستمرة، المثقفين العرب بوجه عام.. وليت فحوى هذه الصراعات آراءٌ وأفكارٌ يتراشقها المثقفُ والمثقفُ الآخر، بل كلُّ واحد يخوض معركته الخاصة في إبراز نفسه في الساحة. وهذا مما لا غضاضة فيه، إذ لا يليق بالمثقف إلاَّ أن يبرز نفسه، وإلاَّ فلا معنى لثقافته المخفية خلف الحُجُب لا يعرف عنها أحد. بيد أن الأزمة الثقافية تحصل حين يصعد المثقف على أكتاف الآخرين كي يبرز، فيدوس هذا وذاك من المثقفين، صانعًا منهم جسورًا، ليصل إلى مقاصده الأنانية.
وتنشط هذه الظاهرة أكثر ما تنشط في المحافل الثقافية، مثل معارض الكتاب مثلاً، حيث يفرد المثقفون أنفسهم لا ليظهروا فقط، بل ليغطُّوا على الآخرين. زُر إن شئت الجلسات الثقافية؛ من محاضرات وندوات وملتقيات، تجد بعضًا من الجمهور يقف فجأة ليتداخل مع المحاضر الفلاني، ليس ليناقشه، بل ليُحرجه، أو ليُظهر نفسه أنه الأعلم والأكثر ثقافة، وقد يتصيَّد الأخطاء، إما من باب إسقاط المحاضر، أو رفع شأنه الخاص ويكون المحاضر هو الضحية.
ويحدث الأمر نفسه في مواقع التواصل، حين يكتب مثقفٌ موضوعًا، فيأتي أحد المتابعين ويُظهر موضوع المثقف المنشور أنه خاطئ، بطريقة قد تصل إلى التحقير أحيانًا، خاصة حين يكون ذاك المثقف ناجحًا، أو في بدايات طريق نجاحه.
ويزداد الأمر حُلكةً حين تتشكَّل من هذه الظاهرة أحزابٌ ثقافيةٌ تُفضي إلى نشوء شللية مغلقة، كل جماعة تشد بعضها بعضًا، هدفهم ألاَّ يظهر في الساحة مثقف جديد، والأمرُّ من ذلك حين تنتسب هذه الشِّللُ إلى مؤسسات ثقافية رسمية، هنا تزداد الحواجز علوًّا، ويقف المثقف المسكين أمام أبواب مسدودة، كلما طرق بابًا أُغلق في وجهه.
يقول أستاذنا أحمد الفلاحي: «نريد من المثقفين الحركة، مهما كانت قليلة، فهي مؤشر على أن ثمة حياة». إنها كلمة بليغة من رجل الثقافة في عمان، وأرى أن المثقفين يعرفون مقصد الفلاحي من معنى لفظة ”الحركة“ هذه.. غير أن الحركة لو كانت كما وصفنا في مقالنا أعلاه، فإني أميل إلى الجمود والسكون.
وعلى ذلك، وجب على المثقف إذا لم يكن يريد أن يموت في خضم المعارك الثقافية هذه، أن يتحرك - تمامًا كما قال الفلاحي - مهما كانت الحركة، وإلاَّ أكلته الذئاب.
الكاتب/ محمد قرط الجزمي
التعليقات ()