
بعض أحلامنا قطعات سكر، بعضها حبات ملح، إنها تذوب وتُذيبنا معها.. لماذا لا تصلُب وتصير حجارة؟
إننا نذوب في المجتمع، نصبح مثلهم، نتوحَّد معهم، هي ذي الحياة تصنع منا نسخاً أخرى للجيل السابق.. لا جديد تحت الشمس، رغم أننا كنا نطمح أن نكون أعلى من الشمس.. تُرى هل خِفنا من الشمس أن تحرقنا؟ أم من أن يأتي من يُرسلنا وراء الشمس؟
أنتَ.. هل تذكر حين سألك معلمك في المدرسة؛ ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟ قلت: شرطي، مهندس، دكتور، رجل إطفاء.
وأنتِ.. هل تذكرين إجابتك للمعلمة؟ قلتِ إنك ستكونين معلمة، فنانة، رائدة فضاء.
أنا كانت إجابتي تشبهكم حينها، قلتُ طبيباً جرَّاحاً، وذلك لأنني أحببت وأنا صغير شكل طبيب الجراحة وهو يعالجني ويضع سماعة الأذن على كتفيه، هذا المشهد كان مثيراً بالنسبة لي، إلى درجة أنه صار حلما، ثم إنني أحببت علبة الهندسة التي كنا نتعامل بها في حصص الرياضيات، وأحببت حساب المثلثات [بما أنَّ../ إذن…]، إن المنقلة والفرجار هما أداتيَّ المفضلتان؛ لذلك تغير طبيبُ الجرَّاح إلى مهندس.
ثم كبرنا، أنا وأنتَ وأنتِ كبرنا وانخرطنا في الحياة، لم ننتبه إلاَّ والشيب بدأ يغزو شعرنا أنَّ أحلامنا قد توقفت.. مهلاً، متى توقفنا عن أن نحلم؟ وكيف؟
سأخبركم سرًّا، أنا حققت بعض أحلامي في الروايات التي أكتبها، صرت مهندساً وصرت طبيباً، بل وسرقت بعض أحلامكم فصرت رائد فضاء ورجل إطفاء، وما زلت أسرق المزيد من أحلامكم وأحققها لنفسي.. ربما القارئ أيضاً سرق بعض أحلامنا وهو يقرأ الكتب التي تتحدث عن تلك الأحلام فيتقمصها.
الكتب رائعة وتحقق الأحلام، لكنَّ هذا ليس موضوعنا الآن!
عفواً عفواً، بل هو موضوعنا.. بالأمس كلمتني فتاة شغوفة ليس بالقراءة فقط، إنما بالكتابة أيضاً، قالت إنها كتبت رواية ولم تكملها، لماذا؟ انتهى الشغف.. لكن هل الشغف هو الروح التي إذا انتهى مات الحلم؟ قالت: أنتظره منذ سنتين، حينما يعود سأكتب من جديد.
قلت لها: شغفك الآن في المستشفى لم يمت بعد، والدليل أنك تحدثيني عن حلمك الآن، لكنه هناك في غرفة الإنعاش يُحتضر، لا تنتظري منه أن يأتيك سعياً، إنه عاجز، هو ينتظر منك أن تعتني به وتعالجيه، ساعتها سينهض ويأتيك راكضاً.. قلت لها: الشغف لا يأتي من تلقاء نفسه، هو يحتاج من يجرُّه من شعر رأسه بالقوة.. هل هذا مؤلم؟ متى لم يكن النجاح مؤلماً؟
نحن نتعلل بالشغف كثيراً حين نتوقف عن الطيران، وكأننا طيور نحتاج إلى أجنحة كي نطير، إن البشر خارقون، يطيرون من دون أجنحة، نحن وإرادتنا وسعينا أجنحةُ أنفسنا.
نتعلل بقلة ذات اليد، وكأن النجاح يحتاج إلى المال.
نتعلل بأن الوظائف لم تعد بتلك السهولة التي كنا عليها، وبأن هناك جهات عليا تلعب برقعة الشطرنج، تمنع البيادق من أن تتحرك بحرية.
نحن نتعلل بالمُحبطين من حولنا، بالمثبِّطين، وبالمدراء السيئين، وأحياناً نتعلل بالمطر والرياح وحرارة الجو.. لكن النجاحَ علاقةُ حب، مهما كانت ظروفك فالمحبوب لا يغفر لك أن تغيب عنه.. إما أن تتوقف عن اللقاء بحجة أنك متَّ، أو أن تتوقف عن تلفيق الحجج.. أما ما دون ذلك فاترك (الحب/ النجاح) لأهله.
إننا لم نحقق أحلامنا، توقفنا في مرحلة من مراحل عمرنا عن أن نحلم، كبرنا وكأننا كبرنا عن الأحلام ذاتها.. لكن لا أعتقد أن أحدنا راضٍ عن هذا التوقف في نفسه، فليس أقل من أن نحقق أحلامنا في أبنائنا.. لا أقول نزرع فيهم الحلم زرعاً، وإنما نعطيهم حرية الحلم، ومن ثمَّ نسعى بقدر استطاعتنا إلى تحقيق تلك الأحلام.
ما أسهل الكلام، وحين ننهض لتطبيقه نصطدم بنيازك الواقع تقف في طريقنا توقفنا من أن نبلغ السماء.
فهل يا ترى هناك وسيلة لتحقيق أحلام الجيل القادم؟!

الكاتب: محمد قرط الجزمي
اضغط هنا للحصول على إصداراته وكتبه
التعليقات ()