في لمة عائلة، ونحن نفترش الرمال ملتحفين السماء الزرقاء، وكأنّ عيوننا تتشرب صفاءها الأزرق، وتأخذه كظل يسير فيه حلمها؛ ذلك الحلم الذي بدا كزمام يقود قلبها المتراقص على وقع نسائم الهواء الحرة وهي تأتي ونحن في حالة استيعاب حجم دفئها.
كانت تحتظن جلستنا الأشجار البرية التي يعاودها الاخضرار بعد أيام مطيرة، أو عندما تزورها لمحة ربيعية؛ فنشعر معها بشيء من الارتباط، وحكايات الليالي، وقصص السابقين، وأنس يتقافز على وجوهنا التي ضاحكتها الروائح العطرية المنبعثة من أشجار تحتضن جلستنا بعدما طرق المطر مرابعها، فاستقبلته بثوب الثرى الزاكي الهازج، مرحبة بقدومنا، وكأنما زهورها الصغيرة موائد من عبق أصيل وشذى فواح لضيافتنا.
كأن هذه الرمال الذهبية التي افترشناها تذوب معها كلّ همومنا ونحن نرى امتدادها - لا متناهٍ - كأنه أيادٍ تأخذنا إلى مستقبل جديد ينسينا معكرات الفكر وطوارق الذكرى، وأخصّ بذلك إن كانت بعد أيام ماطرة في شتاءاتنا الباردة، أو في فصل ربيعي بهيج يذيقنا بعض لطفه، وإن كان لا يأتينا هذا الربيع في حقيقته، وإنما في بعض لطائفه.
إن هذه البراري الصحراوية، وما تحمله من نباتات وأشجار، تعتبر مقومات سياحية يجب أن ينظر إليها بعين الاعتبار، ومرمى الهدف، فهي تشكل دخلا إضافيا للأسر - لا بأس به - في فصول الشتاء، والأيام المعتدلة التي تعقبه، أو عند مواسم جنيها.
من الجميل أن تقام فيها مشاريع جاذبة ومحفزة، تكون إضافة منعشة لدخل بعض الأفراد كعمل خاص، يضيف إليهم عائدا ماديا في أوقات إنجاز الأرباح؛ فمثلا حين اعتدال الجو تُعشَّب بعض مساحات هذه البراري، وتُزرع فيها أشجار إضافية، خاصة بالقرب من الأودية، وتنسق بشكل يجذب الزائر والسائح، ويُقام ما يخدم مرتاديها من دورات مياه، ومقاهٍ ليلية محفزة، ومصابيح إنارة، وبعض الألعاب البسيطة التي تضفي جو المتعة للعائلات.
ربما يتبادر إلى ذهن البعض أن بيئتنا صحراوية إلى حد كبير، لكن الله - تعالى - لم يخلق هذه الأشجار الصحراوية إلا لحكمة، ولغاية يعرفها البعض، فيتوجب عليه أن يستفيد منها ويفيد الآخرين؛ بأن يُعرِّف بهذه الأشجار الصحراوية العطرية للناشئين؛ كالخزامى، والسلم، وشجرة القفص التي تستخرج منها الزيوت الطبية والعطرية، وأن يعلّموهم كيفية استخراج زيوتها، وطرق تسويقها، وذلك بالتنسيق مع الأهالي، والجهات المختصة الذين يمتلكون المعرفة بها.
ومن الأشجار البرية تلك الشجرة واسعة الانتشار (الأكاسا) علميا، والسمر محليا، إن زهورها تعتبر غذاء للنحل؛ فينتج منها أجود أنواع العسل، ولها موسم معين للإزهار يعرفه النحّالون، ولا ننسى كذلك فوائد ظلها، وخشبها الجيد الذي له أهمية كبيرة في نواح عدة.
ومنها الأشجار الظليلة؛ كالغاف التي تستخدم ثمارها علفاً للحيوان، وأشجار الطلح في محافظة الوسطى.
وهناك أشجار نجدها بكثرة في الطرق البرية، وفي الأودية، لطالما اشتهينا ثمرها، إنها شجرة السدر التي تستخدم أوراقها كمنظف، وغسول للجسم قديما وحديثا.. ناهيك عن ثمارها اللذيذة (النبق)، ولا ننسى شجرة الشوع التي تزهر بنباتات وردية اللون، عطرية، تستخدم بذورها في استخراج زيت الشوع زاكي الرائحة كمعطر للجلد، وعلاج طبي يستخدم في علاج النزلات المعوية والحمى.
وتوجد شجرة أخرى صحراوية، نظرا لقيمتها المعروفة اتخذتها ولاية منح شعارا لها، تسمى (المتق)، تشتهر بها، وتستخدم بذورها في علاج الكثير من الأمراض.
وبُعَيْد موسم الأمطار نجد نباتات الأمطار (السيداف والأرطة) تباع من ضمن قائمة الخضروات عند الباعة في الطرقات، وهي من الأكلات العمانية الشعبية القديمة والمحببة، وتعتبر غذاء صحيا؛ لأنها نبتات ليس بها أي تدخل كيميائي.
وحين تسير بين منعطفات الجبال وفي سفوحه، قد تصادفك شجرة (الجعدة)، وهي شجرة عطرية من فصيلة النعناع، تستخدم أورقها وزهورها كمادة عطرية.
وقد تضاحكك من على سفحها أشجار الشوع المعمرة وهي تحكي لك حكايات من الماضي، إنها تنمو على سفوح الجبال، وفي بطون الأودية، وزهورها تمتاز برائحة عطرية زكية تجذب نحل العسل، ويستخرج من بذورها زيت الشوع، بعد أن تجفف البذور في الشمس، ويطحن اللب منها، والدليل على انتشارها تسمية بعض الأماكن باسمها مثل: الشويعي والشويعية.
وهناك الكثير من النباتات والأشجار الصحراوية التي لا أحصيها عدا، فقط من خلال سماعي وملاحظاتي عرفت بعضا منها.
إن العبرة بطبيعة النباتات؛ فالله - سبحانة وتعالى - لم يخلق داء إلا وخلق معه الدواء؛ فلعل هذه الشجيرات المتفرقة، والأعشاب المترامية خلقت لدرء داء عن أجسامنا.
إن الله تعالى جعل بيئتنا صحراوية لأنها مناسبة مع طبيعة أجسامنا؛ فكل ما تحتاجه أجسامنا موجود في واحاتنا الخضراء، وفي تمور نخيلنا الشامخات، وفي أشجار برارينا الصحراوية.
التعليقات ()