لم أحب الجغرافيا كثيراً.. في الحقيقة، لم أحب الجغرافيا قط، لا كثيراً ولا قليلاً، لكنني أحب تأمل التضاريس الجغرافية كثيراً، أحب رؤية الجبال والرمال والصخور، وأبحث - في خيالي - عن هذه المناظر كيف كانت قديماً، ثم كيف تشكَّلت، لذلك حينما عبرتُ الشارع من مسقط إلى نزوى لأول مرة في حياتي، عام 1997، وقعت في حب هذا الطريق رغم أنه كان يُطلق عليه طريق الموت، أو المقبرة، لكثرة الحوادث فيه آنذاك، وسبب حبي هو تشكيلة الجبال التي كنت أرى أنها تحمل في طياتها قصةَ تكوّنٍ ونشوء، قصةً تسمح لخيالك أن تنسج أحداثها؛ كيف نشأت وكيف تكونت وكيف تشكَّلت، أنت ترى في كل صخرةٍ قصة، وفي كل انحناءةٍ رواية، وفي كل قمةٍ حكاية، طُمرت مع مرور الزمن فصارت نسياً منسيًّا، لا نرى منها إلاَّ نِتاجها الحاضر.
لكن المفارقة أنني رغم ذلك لم أحب الجغرافيا قط، إن هذا يشبه من يحب الأكل لكنه لا يحب دخول المطبخ لممارسة الطبخ.
وأنا مع ذلك أحب السفر.. لا أدَّعي أنني سافرت كثيراً، وذلك لقلة ذات اليد، غير أنني أحب السفر كثيراً، وكلما سافرت - سفراتي القليلة تلك - كنت أغوص في تأمل الطبيعة أكثر من تأمل المنشآت، وربما تأملت الناس وسلوكياتهم كذلك.. وأحب زيارة المتاحف؛ أحب قراءة الماضي في المكان والإنسان، وليس كالمتاحف تفتح لك قلبها وتخبرك بأسرارها.
والآن، بينما أتأمل في هذه اللحظة نموذجَ الكرة الأرضية الموضوعَ فوق طاولة مكتبي، تذكرت الجغرافيا، وسبحت بأفكاري في اتساعٍ أفقيٍّ بعيد، حتى وصلت إلى موضوع السفر هذا، فخرجت من أفكاري أنني بلى، خضتُ مغامرات كثيرة وسافرت، سافرت كثيراً، كثيراً جدًّا، ربما ليس خارج مدينتي بالتحديد، ولكن خارج نفسي.
من المهم أن تخرج من سور نفسك بين الحين والآخر، تُبحر في سفينة أفكارك وتغيب عن ذاتك بعيداً، بعيداً جدًّا، ثم من هناك، من ذاك البعيد، تلتفت إلى نفسك وتنظر إليها من الخارج.. ستلاحظ أنك لست أنت التي تراها دائماً، أنت شخص آخر لم تكتشفه بعد.. ثم تعود من جديد إلى نفسك وقد تعلمت عنها الكثير.
أنا سافرت هذه السفرة مراراً وتكراراً، وتعلمت منها أنني مهما فعلت فلن أتعرف على نفسي بما فيه الكفاية.
أخبرتكم أنني لم أحب الجغرافيا قط، غير أننا لسنا سوى تشكُّلات جغرافية، تكوَّنت في دواخلنا وخوارجنا الكثيرُ من الصخور والرمال والوديان والبحار، ما يحتاج منا إلى أن نكتشفها.
التعليقات ()