قد يبكي المرءُ على فقدان ما كان يُبكيه.
حدث اليوم، وكثيراً ما يحدث، أن أُلغيت رحلة الطيران إلى خصب، ليجد المسافرون أنفسهم مضطرين للبقاء في مسقط يوماً آخر أو يومين، ورغم تكرار الأمر إلا أنها المرة الأولى التي تحدث معي شخصيًّا.. هكذا وجدت نفسي، بعد معركة حامية الوطيس، في ضيافة مطار مسقط في فندق من فنادق منطقة الخوير.
انسوا ما سبق تماماً، وركزوا الآن معي على الخوير، هذا المقال لم يُكتب إلا لأنني الآن، وقت كتابة هذه الكلمات، هنا في الخوير.
خرجت قبل ساعة من الآن أتجول في سوقها، لعلَّ المكان يتذكر خطواتي حين كنت أمشي بالساعات هنا، قبل أكثر من ربع قرن، عام 1997، في فترة دراستي في الكلية.
صار من عادتي أنني كلما زرت مسقط لا بد من أن أزور الخوير، فإذا كان معي أهلي أخبرهم، إلى حد إثارة مللهم: هنا درست، هنا سكنت، هنا اشتريت أول هوت شوكليت في حياتي، وهنا قضيت أسوأ فترة من فترات عمري.
لم أكن أحب مسقط في تلك الفترة مطلقاً، منطقة مظلمة من تاريخ هذا الفتى، لم تفلح الستة والعشرون عاما التي تلتها من أن تزيل هذه اللطخة السوداء.
لكنني اليوم اشتقت إلى أن أمشي على قدمي، أتجول في طرقات وسكك ومحلات الخوير.. هنا كان النفق الذي نعبره إلى الجانب الآخر من الشارع كي نعود إلى ديارنا، هنا مدرسة دوحة الأدب للبنات التي كانت منتعشة في تلك الفترة، والشباب يحومون حولها ليلاً ونهاراً، وهنا كان محل يبيع الأشرطة السمعية، حين فُتح لأول مرة ذهبت واقتنيت منه شريط (عشرون عامًا قد مضت/ عامٌ مضى من بعد عام)، في تلك الفترة كنت أنا _ بالمصادفة _ أخطو خطواتي الأولى إلى سن العشرين.
تذكرت تلك اللحظات، فإذا بلمعة تظهر في عيني.. لم أبكِ، إنما حنين إلى ماضٍ قاسٍ، لم أعرف كيف أفسره.
أكملت طريقي.. هي ذي محطة البترول التي كنت أشتري منها مجلة (البيان) الإسلامية، نعم كانت تباع هنا، وإلى جوارها مجلات أخرى مثل الشبكة، في تناقض عجيب.. الشباب من جيلي يعرفون الشبكة طبعاً.
أكملت طريقي.. ها هو سوبرماركت رواسكو، الذي كان في قديم الزمان أشبه بالمول الذي لا يمكن أن نعبر هنا وإلا ونشتري منه أغراض المعيشة، الآن تغير فيه كل شيء، حتى اسمه.. وهناك المكتبة التي اشتريت منها مصحفاً باللغة الإنجليزية، وحينما عدت إلى السكن كاد الشباب يكفِّرونني على هذا الجرم الذي ارتكبته.. مشيت قليلاً فإذا بي أدخل ممراً، في هذا الممر اكتشف أحد أصدقائي قديماً أنه توجد دورة مياه سرية هنا، هذه الأمور لا نعثر عليها بسهولة طبعا، لذلك يُعتبر الاكتشاف مذهلاً.
ثمة لمعة في عيني، لكنني لم أبكِ!
أكملت طريقي.. حديقة الخوير التي هي دائما فارغة، لا نعلم لها أهمية، سوى في يومي الخميس والجمعة (ويكند)، ساعتها تزدحم حتى لا تجد مكانًا تجلس فيه.. اليوم هو الخميس، ها أنذا أرى الوضع كما هو في الحديقة.
أكملت طريقي.. المطعم الذي كنا نأكل منه في نهايات كل شهر، حين نكون مفلسين، والآخر الذي نأكل منه في بدايات الأشهر، حين نكون هوامير.
رمشت، أحاول أن أخفي اللمعة من عيني، وأكملت طريقي.
هنا مخبز تنور، لطالما شممت رائحة الخبز وتمنيت أن أشتري منه، لكنني في ذلك العهد كنت أمدُّ يدي على قد محفظتي.
أكملت طريقي، أبحث في ذاكرة المكان عني، لكنني لم أجدني، هذا المكان لا يتذكرني، وكل من ههنا لا يعرفني، حاولت أن أتخيل الناس الذين كانوا هنا، أين هم الآن، أي وادٍ من وديان الحياة جرفهم، وماذا عن الدكاترة الذين درّسونا؟ على أي عكاز يمشون الآن؟ وربما في أي مقبرة يرقدون؟
ثم إنني تركت كل هذا خلف ظهري وعدت من حيث أتيت، فمررت مرة أخرى على موقع محل بيع الأشرطة السمعية، عندها فتحت فمي أغني: (عشرون عاماً قد...)، هذه المرة لم تحمل عيني لمعة، بدلاً منها كانت هناك دمعة، خنقتها حشرجةٌ جعلتني أقف عند (قد) هذه دون أن أستطيع تجاوزها.
أكملت طريقي، ثمة (سنيف) في أنفي، لكنني لم أكن أبكي، إن الجو بارد اليوم بما فيه الكفاية كي يصاب أنفي بالزكام.
ليلة الجمعة
23 يناير 2026م
التعليقات ()